هذا البحث يتناول تمثيل النساء الفلسطينيّات في عيون الرحّالة والفاعلين الغربيّين في فلسطين، في أواخر العهد العثماني وفترة الانتداب البريطاني، من خلال ثلاثة نماذج أساسية: مذكّرات الإنكليزيّة ماري إليزا روجرز، والأرشيف الفوتوغرافي للمستعمرة الأمريكيّة في القدس، وأعمال الباحثة الفنلنديّة–السويديّة هيلما غرانكفست.
لا ينظر البحث إلى هذه الأعمال بوصفها "شهادات بريئة" عن الواقع، بل باعتبارها نصوصًا وصورًا تشكّل جزءًا من تاريخ النظرة الاستشراقيّة إلى "المرأة الشرقيّة"، وفي الوقت نفسه مصادر لا غنى عنها لفهم حياة النساء الفلسطينية في تلك الفترات.

أم فلسطينية ترضع طفلها في حديقة - من أرشيف المستعمرة الأمريكية
ماري إليزا روجرز
يرصد القسم الأوّل صورة النساء في كتاب روجرز Domestic Life in Palestine، حيث تمزج الكاتبة بين فضول إثنوغرافي حقيقي ونبرة تفوّق ثقافي واضحة. فهي تقدّم أوصافًا دقيقة للأزياء الشعبيّة في حيفا وبيت لحم والقدس والناصرة والنقب، وللطقوس المنزليّة، وعادات الزواج، والفصل بين الرجال والنساء، وتدخين الأرجيلة، والعمل المنزلي، والحمّامات العامة.
لكن هذه التفاصيل تأتي غالبًا ملفوفة بحكم قيمي يَرى في النساء "بدائيّات"، "طفوليّات"، أسيرات لعادات جامدة، مقابل المرأة الأوروبية "المتحرّرة" و"المتعلمة". كما تلوّن روجرز مشاهداتها دائمًا بالمرجعيات الكتابيّة، فتستحضر راعوث وسارة وبوعز وغيرها عند وصف ثياب النساء أو خبزهنّ أو حركتهنّ في الحقول، في عملية إسقاط دينيّ على الجغرافيا والناس.
ورغم هذا البعد الاستشراقي، يبيّن البحث أن كتابها يبقى مصدرًا مهمًّا لتفاصيل الحياة اليوميّة للنساء الفلسطينيات في القرن التاسع عشر، وتنوّع أزيائهنّ وطقوسهنّ وعلاقاتهنّ العائلية.

يسار: نساء عند عين الماء تحت القوس الحجري | يمين: امرأة تطبخ في مطبخ تقليدي
المستعمرة الأمريكيّة
القسم الثاني ينتقل إلى عدسة المستعمرة الأمريكيّة في القدس، التي تحوّلت في مطلع القرن العشرين إلى ورشة تصوير ضخمة تسوّق صور "الأرض المقدّسة" للحجّاج والسياح.
يبيّن البحث كيف تُظهر هذه الصور النساء الفلسطينيات في وضعيتين أساسيتين: الأولى بوصفهنّ "شخصيات توراتية معاصرة" في سلاسل مثل Ruth Series، حيث تُقدَّم فلاحات من بيت لحم أو الناصرة على أنهنّ راعوث، أو مريم العذراء، أو السامرية عند بئر يعقوب؛ والثانية بوصفهنّ عاملات يحملن الماء، يغسلن الثياب عند الينابيع، يطحنّ الحبوب، يطرّزن، أو يعملن في معامل التبغ والسجائر.
العناوين المرافقة للصور، وكذلك طرق الوقوف واللباس و"المسرحة" الواضحة، تكشف كيف حُوِّلت المرأة الفلسطينية إلى رمز بصريّ يُخدم سردية توراتية–مسيحية عن المكان، أو صورة "فولكلورية" شرقية مريحة للخيال الغربي. في الوقت نفسه، يشير البحث إلى القيمة التوثيقيّة العالية لهذه الصور في إعادة بناء تفاصيل اللباس، وأساليب العمل، ومشهد الحياة اليوميّة للنساء في المدن والقرى والمخيمات.

امرأتان فلسطينيتان تعملان بين الصخور - صورة ستيريوسكوبية من أرشيف المستعمرة الأمريكية
هيلما غرانكفست
أمّا القسم الثالث فيركّز على هيلما غرانكفست، التي وصلت إلى قرية أرطاس عام 1925 بحثًا عن "بقايا العهد القديم" في حياة الفلاحين، ثم تحوّل مشروعها تدريجيًا من مطاردة الظلال التوراتية إلى إثنوغرافيا دقيقة لحياة القرية، وبخاصة النساء.
عبر تحليل كتبها عن الزواج، والمهر، والولادة، والموت، والعدّة، والترمّل، والطهارة، يبيّن البحث كيف حاولت غرانكفست تفكيك الصورة الاستشراقيّة السائدة عن "شراء الزوجة" واعتبار المهر ثمنًا للمرأة، وذلك من خلال الإنصات لصوت الفلاحات أنفسهنّ، وسردهنّ لتجاربهنّ وقصص القرى المجاورة.
فهي تميّز بين حالات استثنائية فيها تُعامل المرأة كسلعة في ظروف قاسية (مجاعات، فقر، ظلم سلطات)، وبين القاعدة الاجتماعية التي ترى في المهر ضمانًا لحقّ المرأة، واستقلالًا نسبيًا لممتلكاتها، ومسؤولية على عائلة الزوج تجاهها وتجاه أبنائها بعد موته. كما تقدّم غرانكفست مادّة غنية حول نظرة المجتمع للأرامل، وزواج الأرملة من أخ الزوج، ومفهوم "الجوز المتسرّب"، وحدود سلطة الزوج مقابل سلطة العائلة الأوسع.

نساء فلسطينيات يفرزن الحبوب في الحقل - من أرشيف المستعمرة الأمريكية
الخاتمة
في الخاتمة، يخلُص البحث إلى أنّ أعمال روجرز والمستعمرة الأميركية وغرانكفست تحمل جميعًا درجات متباينة من الاستشراق، وتعكس ميزان القوى الكولونيالي واللاهوتي الذي تشكّلت في ظله صورة "المرأة الفلسطينية" في المخيال الغربي.
غير أنّ قيمتها لا تكمن فقط في نقدها، بل أيضًا في استعادتها كأرشيف غني لتاريخ النساء الفلسطينية، لأزيائهنّ، ولعلاقاتهنّ، ولحياتهنّ اليومية في لحظة تاريخية مفصلية.
ومن ثمّ يدعو البحث إلى قراءة هذه المصادر قراءة مزدوجة: نقديّة تفكّك بنيتها الاستشراقيّة، وتاريخية–أنثروبولوجية تستخرج منها ما تحفظه من طبقات عميقة عن الجسد، والبيت، والقرية، والذاكرة، والهوية.
اقرأ المقال كاملاً في العدد الثاني
هذا ملخص للمقال. للاطلاع على النص الكامل مع جميع المصادر والمراجع
اقرأ العدد الثانيعن الكاتبة

ماري زيتون
باحثة ومؤرّخة
باحثة في اللغة العربية والتراث العربي من الناصرة، حاصلة على اللقبين الأول والثاني في اللغة العربية وآدابها من جامعة حيفا، ومتخصصة في دراسة اللهجات والتراث القروي، وتعمل مدرّسة ومطوّرة وحدات تعليمية ومدقّقة لغوية.
